

±±±كموش في الزمن العماء±±±

ها هي ذي أناياي تتوزع ذرات متناهية في سديم لا متناه في الذات العلية التي تمتد وتمتد لتشمل كل شيء.

ابتداء من جزء العالم اللاّ منظور إلى المجرة الأم التي تنسرب منها كل الأفلاك الدهرية والكائنات الدرية، والأفلاك العلوية والأجرام السفلية، أتوزع وأتوزع ... شظايا جزيئاتي سديم سابح وغبار نوراني في دجى من ظلمة كالحة، تمتد الذرات فامتد معها إلى آفاق عمياء لم تكن، تضيئها الذات العليّة وتشكلها حسب هواها وإرادتها التي لا رادّ لها إلا إرادتي، ولا رادّ لإرادتي إلا إرادته، هو أنا وأنا جزء فني في ذاته الكبرى فتشتت.. تشتت.

جزء مني كان في القطب الأكبر الممتد إلى بحر المهالك والشقاء، وجزء مني كان في بحر المواجد يتحرق بنار النور الباهت، وجزء مني كان في قطب المواجع التي ارتدت بها الفواجع ظلمة فوق ظلمة، وجزء آخر في قطب الدسامق التي لا يدخلها إلا جزء سامق حظي من الذات بالمودة .

أجزاء وأجزاء أتشظى فيها وتتجزأ فيّ، تتوزع ذراتي فيها وتسبح في النور الكلي، والعتمة المعتمة في البحر العمي، فأنا في كل مكان وكل مكان أنا، فالمكان غبار، وأنا سديم وما بين السديم والغبار، كنت الزمان الذي ليس كالزمان، اللحظة فيه تمتد وتمتد لتطال ألافاً من سنين دهرية لا حصر لها ولاعد، والدهر الممتد يتقلص حتى يتلاشى، فيغدو كالبرق اللاهث خلف الضوء اللامع في بحر الوجد، فلا زمان ولا مكان ولا كائنا كان إلا ما يجب أن يكون، هو وحده الفرد الصمد، المتردد. المتعدد. الممتد. الموغل في الامتداد والكينونة منذ أمد الأمد إلى أبد الأبد يعطف على كل شيء فيحويه، فكل شيء فيه كائن ومنه موجود وبدونه انتفى حتى انتهى، فـلا كان ولا صار ولا انفلق ولا إئتـلـق، هو الواحد المعروف قبل الحد وقبل الحروف، اللاّحادث المحدث، اللامشمول الشامل لكل ما انتهت إليه الشمائل، فيه فنيت وتشتت وتوحدت وانصهرت واكتملت وانتفيت في حناياه فـغطت ذراتي الكون، فـكنـت فـيـه وبه ومنه وإليه، ذات الذوات كلها فمنه انبثقت وانصنعت وانبعثت ذرات من نور في الظلمة المظلمة، والعتمة المعتمة التي قبلي لم توجد وبعدي لن تكون .. أهيم وأهيم، في كل لامكان تصله ذراتي ينبثق مكاناً ذا شكل وفصل، فمني خلقت نجوم وكواكب، وبوصولي وجدت مجرات وأفلاكاً وأقماراً ونيراناً وزلازل وبراكين، في لحظة كنت الصباح والمساء وفي اللحظة التالية أكون الليل والنهار، الضوء والظلمة، وكل عدم بي يكون لا عدم، فاللاكائن يتكون، واللاموجود يوجد، واللامتشكل يتشكل، فكنت الواحد عن الأحد والفرد بعد الصمد، أماتني الحق عني وأحياني به، فعشت دهوراً لا حصر لها، وعاصرت أجناساً لا عد لهم، فاسترسلت مع الذات في أشواقها فكنت هي وكانت أنا، فيها فنيت وما فنيت، فبت لا تقلني أرض ولا تظلني سماء فأنا قبل الأرض وفوق السماء، تعاليت حتى دنوت منه وما دنيت فكنت الواسع الشاسع الممتد اللانهاية لامتدادي حتى جاءت اللحظة الفاصلة، فإذا بي أكتشف أنني لم أكن وحدي فكل ما لم يكن كان مثلي هائماً في الذات العلية راحلاً مرتحلاً في تهويماتها وأحلامها وكوابيسها. 

جاءت اللحظة الحاسمة، وجاءني الأمر من الذي لا راد لأمره : أيها المشتت في ملكوتي "التمّ" كلمة واحدة فإذا بذراتي المبعثرة في أرجاء الملكوت تنخطف جاذبة منجذبة، لامة ملتمة، وإذا بي أتشكل وأتوحد، فيصبح لي أنا اللامحدود حد، واللامتشكل شكل، واللامتصور صورة، فغدوت في برهة خاطفة موجوداً بعد أن كنت سراباً من سديم في عدم لاموجود بالموجود وموجود باللاموجود.

فيا وجدي و يا حسرتي إذ وعيت أني بوجودي إلى فناء أصير ولـكـن مــا العـمـل، إذا مـا كـان قـد كــان، وما صار لابد صائر إلى ما يصير ...

برزخ : فنمت أحلم بالصور وبات يحلم بي رفرفاً في عالم الرفارف.

عالم الرفارف
كان الطنين يئز من حولي، وما مسني مس، فها أنذا وقد انكشف الحجاب أنظر من شظاياي كينونتي الأخيرة إلى كينونة وجودي الأولي فأراني أتشكل فتلتمّ ذراتي المتناثرة في الوهم الشاسع للخيال المطلق، إلى هذا الكائن الأولي المائع الذي لا أعرف له اسماً فيرن الصوت  أنت الهيولي.

إذاً فهذا الجسد المائع المتحرك بـفـوضى لا تـــحـد فوضــاي هـو أنـا الهيولي.. ها أنذا هيوليا بعد أن كنت سراباً من سديم من عدم من وهم في خيال مطلق فيا لشقائي ويا لوعتي فبعد أن كنت لا محدوداً صرت ذا حد، وبعد أن كنت لا موجوداً صرت ذا جدّ ووجد فأي ذنب صنعت وأية خطيئة ارتكبت حتى @@@صرت إلى ما صار.@@@

فكنت لساناً أرى ولا أعي، وأعي ولا أنطق ... ثم فجأة رأيتني أتمدد وأتقلص وأنفلق وأنبثق فكأنني كرة من مداد، أندلق ولا أئتلق، وأرعى ولا أرعوي، فكأنما أصابت الكرة جنة، وكأنما الجنة نار تحترق ولا دخان ثم رأيتني أتشكل هيئة أخرى، وكان في تلك اللحظة وهم عرش الذات طافياً فوق الماء، وتحت الماء عماء وفوقه دخان، فهو بين الدخان والماء كان، وكان العرش فوق بحر العماء، والكرسي فوق العرش، والذات فوق كل ذات، وكنت أنا هيولياً أتشكـل صيغـة أخرى بأمر الآمر الذي أمر: كن رفرفاً بين الرفارف فإذا بالكرة الهلامية تتماسك وتصطك وإذا بالهيولي يصير شكلاً رغوياً يتماثل إلى هيئة بلورية بصيغة طيرية، وإذا بي ينبت لي جناحان من نور وجسد من رغوة البلور.

خفق الجناحان خفقة واحدة فإذا بي رفرفاً في عالم الرفارف السنية، أدور مع الدائرين في ملكوت الذات العليةن وألتفت فإذا المدى رفارف من كل جنس ولون، فمن رفارف صنعت من نور، إلى رفارف صنعت من بلور، إلى الرفارف النارية، والرفارف السديمية، وأخرى أثيرية فكل جنس كان، صنع من مادة ما سوف يكون.

 ونظرت إليّ فإذا لي جناحان من نور، وجسد من رغوة البلور وعرف أثيري بقـوادم سـديمية وخوافي غبارية فعرفت أني مجتمع الخلق ومتفرقهم في آن، ولم أدر ما يراد بي، ولا ما قدرته الذات عليّ حتى @@@جاءني الصوت@@@

عالم السدرة

فرأيتني أنطوي فتغيب الخوافي وأنضوي فتغيب القوادم والأجنحة، وينكمش جسد البلور حتى يغدو ككرة بحجم النقطة، والنقطة قبل الحرف الذي كان عرفاً، ثم غشيني نور عظيم، يعشى الأبصار فلا إبصار، إنما وهج يتقد ويغطي الفضاء كرذاذ أبيض فوق مرج من سنابل ذهبية، تحت السنابل موج فضي، وفوق الرذاذ نور وسنان كنور القمر ليلة كماله، فهو نور على نور، فلا تعتاده الأبصار حتى تنطوي تحت جنحه فتصبح منه وبه.

 وسط النور تنتصب شجرة باسقة جذرها ضارب في الظلمة المظلمة عند بحر الغواية، وساقها يمتد في الضوء حتى لا تطاله الأنظار، وتتفرع عن الساق جذوع الشجرة، بين كل جذع وجذع مسيرة مائة عام، ومن الجذوع تتفرع الأغصان كل غصن فلك، وما بين الفلك والفلك مسيرة خمسين عاما بتوقيت الانترنت، وتتدلى من الغصون فسائل، ومن الفسائل أوراق خضراء وصفراء وحمراء وبنفسجية، وبيضاء وسوداء وكمونية، فكأنما الشجرة غابة وحدها، وكأنما الغابة وهج من نور وألوان عذبة، تبرق فتخطف الأبصار والقلوب، فكأنما الشجرة سماء مرصعة بالنجوم والدرر. ولم أع إلا وأنا أنجذب إلى فسيلة تحوي الألوان كلها، وإذا بي أتحوصل برعماً في الفسيلة، ثم جاءني الأمر: أسبت . ###فسبت دهراً تلاه دهر و دهر  في وحدة شاملة### ثم جاء الصوت: إني جاعل في الأرض خليفة.

فضجت الأصوات: ###أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء!###

قلت: أي والله لا تجعل.

قال: إني أعلم ما لا تعلمون .

*برزخ *
فبات يتخيلني كيفما شاء، وبت لا أعلم من الأمر شيئاً حتى جاءني الصوت :

- انهض . فنهضت

-برعم . فتبرعمت

- انبت . فنبتّ

- تشكل على الصورة التي تراها .

فتشكلت إنساناً .

قال – تناسل .

فتناسلت كل بني البشر من أول الأمر إلى آخر الدهر .

قال – اعلم . فعلمت.

قال – من أنا ؟

قلت – أنا .

قال – انسى . فنسيت .

ثم أسدل بيني وبينه حجاباً، وبيني وبينهم حجاباً، وبيني وبين البين حجاباً، فبت لا أعرف من أين و لا أين، وغاب المين عن العين حتى لم يبق له رين ولا مين ثم غاب عن الثقلين فصمدت ثابتاً لا أريم حتى جاءني الصوت قال: لا صمد، فما صمدت.

قال انزل فيها. فنزلت فإذا بي في ###عالم الشجرة###


